الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

53

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

فقلت لها يا عز كل مصيبة * إذا وطنت يوما لها النفس ذلت وإن كان المراد عذاب الآخرة فنفي الناصر تكذيب لهم في قولهم هؤُلاءِ شُفَعاؤُنا عِنْدَ اللَّهِ [ يونس : 18 ] . وفاعل تَأْتِيهِمْ ضمير عائد إلى الوعد . وإنما قرن الفعل بعلامة المؤنث على الوجه الأول المتقدم في قوله تعالى : حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ باعتبار الوقعة أو نحو ذلك ، وهو إيماء إلى أن ذلك سيكون فيما اسمه لفظ مؤنث مثل الوقعة والغزوة . وأمّا على الوجه الثاني المتقدم الذي درج عليه سائر المفسرين فيما رأينا فلتأويل الوعد بالساعة أو القيامة أو الحين لأن الحين في معنى الساعة . والبغتة : المفاجأة ، وهي حدوث شيء غير مترقب . والبهت : الغلب المفاجئ المعجز عن المدافعة ، يقال : بهته فبهت . قال تعالى في سورة [ البقرة : 258 ] فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ أي غلب . وهو معنى التفريع في قوله تعالى : فَلا يَسْتَطِيعُونَ رَدَّها وقوله تعالى : وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ أي لا تؤخر عنهم . وفيه تنبيه لهم إلى أنهم أنظروا زمنا طويلا لعلهم يقلعون عن ضلالهم . وما أشدّ انطباق هذه الهيئة على ما حصل لهم يوم بدر قال تعالى : وَلَوْ تَواعَدْتُمْ لَاخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعادِ وَلكِنْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا في [ الأنفال : 42 ] ، وقال تعالى : وَيُقَلِّلُكُمْ فِي أَعْيُنِهِمْ لِيَقْضِيَ اللَّهُ أَمْراً كانَ مَفْعُولًا [ الأنفال : 44 ] . ولا شك في أن المستهزئين مثل أبي جهل وشيبة ابني ربيعة وعتبة ابن ربيعة وأمية بن خلف ، كانوا ممن بغتهم عذاب السيف وكان أنصارهم من قريش ممن بهتهم ذلك . وأما إذا أريد بضمير تَأْتِيهِمْ الساعة والقيامة فهي تأتي بغتة لمن هم من جنس المشركين أو تأتيهم النفخة والنشرة بغتة . وأما أولئك المستهزءون فكانوا قد انقرضوا منذ قرون . [ 41 ] [ سورة الأنبياء ( 21 ) : آية 41 ] وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ ما كانُوا بِهِ يَسْتَهْزِؤُنَ ( 41 ) عطف على جملة سَأُرِيكُمْ آياتِي [ الأنبياء : 37 ] تطمين للنبي صلى اللّه عليه وسلم وتسلية له . ومناسبة عطفها على جملة لَوْ يَعْلَمُ الَّذِينَ كَفَرُوا حِينَ لا يَكُفُّونَ عَنْ وُجُوهِهِمُ النَّارَ [ الأنبياء : 39 ]